عبد الفتاح عبد المقصود
126
في نور محمد فاطمه الزهراء
فأولئك الألى جمعتهم به الرحم ، وربطهم الدم ، ونماهم وإيّاه أصل واحد يمتدّ - وراءً - إلى إبراهيم . كانوا هم الذين بادروا - عزّة بالإثم - فغرسوا في مواطئ قدميه الأشواك ، سدّوا الطريق الذي يقودهم عليه إلى الإيمان بجنادل وصخور مسنّنة الأطراف والسطوح كالحراب ، حامية الملامس كأنّها مقدودة من عذاب ، شنّوها على الدعوة حرباً شعواء لا يفتر لنارها وطيس ، ولا يخرس حسيس . ولم تكن تخشاهم عليه من عنفوان قوة ، ولا من صلابة عزم ، ولا من حماسة جسارة ، ولا من ختل دهاء ، لا . . . فكلّ أسلحتهم هذه مفلولة ، وما لهم به في مضاميرها - وبكلّ المقاييس - قِبَل ولا طاقة . إنّها أعلم به . . . وإنّه لأعلم بنفسه أين يضع منهم قدمه ، ومتى يهزّ في وجوههم بنانه ، فهو أرسخ جناناً ، وأشدّ بأساً ، وأحمز « 1 » صراعاً ، وأصلب إرادةً ، وأصفى ذهناً ، وأبلغ نكراً ، وأوسع حيلةً . لكنّها خافت عليه منهم العنف ، وطول اللجاج ، وضيق الأُفق ، وسدورهم في عنادهم الأهوج إلى أقصى آماده ، خافت عليه كفرهم أن يعرقل مسيرته بهم إلى الهداية ، خافت عليه من عنتهم غلوّهم في شقاقه . وكانت تدرك إلى أيّ مدى سينبذونه كلمة الحقّ ، ويطرحون وراء أظهرهم صدق المنطق ، ويلتوون بأفهامهم عن سلامة الفطرة إلى الزيغ والعنت والغواية . فالزيغ غدا لهم ديدناً وعادة ، والغواية مبدأً وغاية ، والعنت طبيعةً وشيمة . أمّا العناد المتجنّي فإصرار على الباطل ، وهو آفة التفكير ، وهو انطماس الأفئدة والعقول . ومن وراء هذا كلّه كانت تملي لهم في غيّهم تراثات ضخمة من الجهالة ، وأرصدة فاحشة من الضلال ، ضاربة في أعماق ماضيّهم إلى أبعد الأغوار ، لا تني تمدّهم بصيِّبٍ « 2 »
--> ( 1 ) . الحمز : الحدّة والشدّة . ( 2 ) . الصيِّب : السحاب ذو المطر ، الغيم المثقل بالماء .